السيد علي الحسيني الميلاني
264
تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات
به أحد ، إذ مثل على جناحيه خطبان فادحان ، الخلافة بن صوصها ووصاياها إلى جانب تستصرخه وتستفزّه بشكوى تدمي الفؤاد ، وحنين يفتت الأكباد ، والفتن الطاغية إلى جانب آخر تنذره بانتفاض شبه الجزيرة ، وانقلاب العرب ، واجتياح الاسلام ، وتهدده بالمنافقين من أهل المدينة ، وقد مردوا على النفاق ، وبمن حولهم من الأعراب ، وهم منافقون بن ص الكتاب ، بل هم أشدّ كفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله ، وقد قويت شوكتهم بفقده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأصبح المسلمون بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، بين ذئاب عادية ، ووحوش ضارية ، ومسيلمة الكذاب ، وطليحة بن خويلد الأفاك ، وسجاح بنت الحرث الدجالة ، وأصحابهم الرعاع الهمج ، قائمون - في محق الإسلام وسحق المسلمين - على ساق ، والرومان والأكاسرة والقياصرة وغيرهم كانوا للمسلمين بالمرصاد ، إلى كثير من هذه العناصرة الجياشة بكلّ حنق من محمد وآله وأصحابه ، وبكلّ حقد وحسيكة لكلمة الإسلام تريد أن تنقض أساسها وتستأصل شأفتها ، وإنها لنشيطة في ذلك مسرعة متعجلة ، ترى الأمر قد استتب لها ، والفرصة - بذهاب النبي إلى الرفيق الأعلى - قد حانت ، فأرادت أن تسخّر الفرصة ، وتنتهز تلك الفوضى قبل أن يعود الاسلام إلى قوة وانتظام ، فوقف عليّ بين هذين الخطرين ، فكان من الطبيعي له أن يقدّم حقّه قرباناً لحياة المسلمين ( 1 ) ،
--> ( 1 ) وقد صرّح عليه السلام بذلك في كتاب له بعثه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولاّه أمارتها إذ قال : أما بعد ، فإنّ اللّه سبحانه بعث محمداً صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نذيراً للعالمين ومهيمناً على المرسلين ، فلمّا مضى عليه السلام ، تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فواللّه ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن أهل بيته ، ولا أنهم منحّوه عني من بعده ، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلا ن يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان ، كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب ، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتنهنه . إلى آخر كلامه ، فراجعه في نهج البلاغة .